«مصرع كليوباترا».. عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة!
«مصرع كليوباترا».. عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة!

«مصرع كليوباترا».. عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة! صحيفة اليوم نقلا عن ساسة بوست ننشر لكم «مصرع كليوباترا».. عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة!، «مصرع كليوباترا».. عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة! ننشر لكم زوارنا جديد الاخبار اليوم عبر موقعنا صحيفة اليوم ونبدء مع الخبر الابرز، «مصرع كليوباترا».. عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة!.

صحيفة اليوم حتى الصف الأول الثانوي، كنتُ منحازًا للأديب الإنجليزي «جورج برنارد شو» على حساب الأديب «وليام شكسبير» وذلك؛ لأن «شو» كان أحد رواد الاشتراكية «الفابية»، بينما «شكسبير» لا يُعرف له اتجاه سياسي، كنت معجبًا بـ«شو» لأنه كان يحاول بقصصه ورواياته ذات الأفكار الصادمة أن يغير التقاليد العتيقة للمجتمع الإنجليزي، الموروثة من العصر الفيكتوري.

ويومًا من الأيام كتب «شو» روايته الرائعة «العقدة اللامعقولة»، وملخصها أن: «ابن أحد الكهنة (رجل دين) يقع في حب فتاة ليل، ويحاول الأب (الكاهن) أن يبعده عنها بكافة الأساليب، وبكل الطرق، ولكنه يفشل في ذلك، وبعد أن يتيقن الأب (رجل الدين) من أن ابنه لن يعود عن فكرة زواجه من فتاة الليل تلك، يذهب إليها محاولًا هدايتها، وإبعادها عن طريق السقوط التي تمشي فيه، ويقول لها: «لن أكلمكِ الآن عن الخطيئة التي ترتكبينها، فسوف يحاسبك عنها من هو أعظم مني، ولكني جئت لكي أهديك، ولأبعدك عن طريق الخطايا»، فيكون رد «ماريان» (الساقطة) الرائع على الأب (رجل الدين):

إنك أيها الكاهن لا تهتم بالخطيئة إلا إذا أوشكت أن تجلب لعائلتك الفضيحة والعار.

وهاجمت الصحافة الإنجليزية وقتها «شو» على روايته؛ لأنها حطت من شأن الكنيسة، بالهجوم على رجال الدين، ودخل أحد أصدقاء «شو» عليه وهو جالس على مكتبه، وقال له وهو ممسك بالصحف التي تهاجمه: «اُنظر، إنهم يقولون عليك…، ويقولون عليك…».

فرد عليه شو وهو جالس على مكتبه قائلًا:

إنهم يقولون… ماذا يقولون؟… دعهم يقولون.

حتى قرأت لـ«شكسبير» رائعته «يوليوس قيصر» وصرت من قُرائه ومحبيه.

وكنتُ كذلك مُنحازًا لشاعر النيل «حافظ إبراهيم» على حساب أمير الشعراء «أحمد شوقي»؛ لأن «حافظ» من أبناء الفقراء بينما «شوقي» يقالُ عنه إنه تربية الملوك والأمراء.

و«حافظ» هو الذي قال في وصفه للحياة السياسية في مصر وقتها:

إذا نطقتُ فقاعُ السجنِ متكأٌ وإن سكتُ فإنَ النفسَ لم تطِبِ.

حتى قرأت لـ«شوقي» رائعته «مصرع كليوباترا» فهِمتُ به وبشعره، ولـ«شوقي» قصة طريفة.

فقد سمع أمير الشعراء عن مطربة لبنانية صوتها جيد في لبنان، فذهب إلى حفل خاص في الجبل ومعه بعض أصدقائه، وحضرت المطربة وكان اسمها «روز» وبدأ زوجها وكان ثرثارًا مدعيًا، يحكي كيف خطف روز من بيت أهلها ليتزوجها رغم أنف الجميع. ولم يُنقذ الضيوف سوى شروع المطربة في الغناء، وكانت أغنية «مضناك جفاه مرقده» من تأليف أمير الشعراء، وتلحين محمد عبد الوهاب، وفجأة سأل أحد الحاضرين زوج المطربة عمن يكون هذا المؤلف الكبير الذي كتب هذه القصيدة؟

فانتفخ الزوج عن آخره، ورفع صوته قائلًا: «الشعر  إلي خيو» أي أن القصيدة من تأليفه هو، وهنا انفجر أمير الشُعراء في الضحك وقال: «إذا كنت خطفت المدام، مُش راح تخطف القصيدة!».

إن مقالي اليوم عن مسرحية شوقي الرائعة «مصرع كليوباترا»،ويخطئ القارئ الكريم إذا ظن أن المسرحية مجرد نص أدبى رائع، بل هو في رأيي عمل سياسي بارع وذلك ما سأوضحه من خلال التعليق على بعض الأبيات التي اخترتها من المسرحية.

مُلخص المسرحية

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: ââشخص أ٠أÙثرââ

حكمت كليوباترا مصر مع أخيها الأصغر بعد أن أعانها يوليوس قيصر على ارتقاء العرش، ولما مات أخوها زارت روما واحتفل بها قيصر، فلما قُتِل تنازع الحكم في روما أنطونيو وأوكتافيوس، فوقفت كليوباترا بينهما موقف الحياد، فلما انتصر أنطونيو وتولى الحكم دعاها إلى روما، وحين رآها وقع في غرامها وتزوجها، ثم انشغل بها عن الحكم، فتضاءلت مكانته السياسية والحربية، ثم عاد إلى روما، وتزوج أخت منافسه «أوكتافيوس»، ولكن الحنين عاوده إلى الإسكندرية فعاد إليها، وأثار ذلك غضب أوكتافيوس فأنذره بالحرب، وفي سنة 30 ق. م. اشتبك أوكتافيوس وأنطونيو في معركة بحرية تسمى موقعة «أكتيوم» قرب الإسكندرية وفيها وقفت كليوباترا بجانب أنطونيو، ولكنها انسحبت في أثناء القتال فضعف جانبه، وانتصر أوكتافيوس عليه، وأرسلت إلى أنطونيو من يخبره بموتها فأغمد سيفه في قلبه، ولما علم بكذب الخبر أمر أن يُنقل إليها ليموت بين يديها. وخشيت كليوباترا أن يأسرها أوكتافيوس فانتحرت وتركت بنتين من أنطونيو وولدًا من يوليوس قيصر.

مشهد – حابي (مساعد أمين مكتبة الإسكندرية) يخاطب زميله ديون:

اسمع الشعب ديونُ كيف يوحون إليهِ، ملأ الجو هُتافًا بحياتي قاتليهِ

أثرَ البهتانُ فيه وانطلى الزورُ عليه، يا لهُ من ببغاء عقلهُ في أذنيهِ

تعليق: السفير الإنجليزي مايلز لامبسون بين فاروق والنحاس!

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââ3â أشخاصâØ ÙââبدÙØ©âââ

في 4 فبراير 1942 قرر السفير الإنجليزي «مايلز لامبسون» أو (جاموس باشا كما كان يسميه الملك فاروق) أن الأحوال في مصر وقت الحرب العالمية الثانية تقتضي عودة حزب الوفد (مصطفى النحاس) للحكم مرة أخرى، ومع مماطلة القصر (الملك فاروق أو الولد كما كان يسميه السفير الإنجليزي!) ورئيس ديوانه (أحمد حسنين) فإنه قرر إبعاد فاروق، واقتحم السفير القصر الملكي (عابدين) بالدبابات والمصفحات ليُجبر ملك مصر على التنازل عن العرش المصري، ولكن فاروق في اللحظة الأخيرة وبصوت كسير ونبرة مرتعشة سأل السفير إن كان يمكن أن يعطيه فرصة أخرى، وفي يوميات لامبسون التي كتبها والمودعة في كلية «سانت أنتوني» بجامعة «أوكسفورد» أنه رد عليه بترفع «نعم» إنني على استعداد أن أعطيك تلك الفرصة، بشرط استدعاء النحاس فورًا وتكليفه بتشكيل وزارة جديدة».

ويقول حسن يوسف باشا (وكيل الديوان الملكي وقتها): أن حادث 4 فبراير كان نقطة تحول في حياة فاروق.

  • فقد فاجأه الإنذار البريطاني وأهانته الطريقة التي تصرف بها السير مايلز لامبسون.
  • وأدهشه قبول «النحاس» لرئاسة الوزارة من يد الاحتلال وعلى «أسنة حرابه» كما سمع من «أحمد ماهر باشا».
  • وأصابه الذهول لأن مظاهرات شعبية استقبلت تكليف النحاس بالوزارة بفرحة غامرة.
  • ثم كانت فجيعته الكبرى حين رأى صور هذه المظاهرات التي أحاطت بمقر مجلس الوزراء مرحبة بدخول النحاس تحمل أول زائر جاء لتهنئته وهو السفير البريطاني السير «مايلز لامبسون» على الأعناق مصفقة ومهللة!

ولم يكن الملك فاروق بهدوء أعصاب رئيس ديوانه أحمد حسنين الذي طلب نسخة من رواية مصرع كليوباترا وراح يقرأ منها الأبيات!

مشهد – تدخل كليوباترا ووراءها ابنها ووصيفتها ومضحك الملكة لمكتبة الإسكندرية.

الملكة كليوباترا: تحيتي لأُمناء المكتبة وشيخهم أعلى الشيوخ مرتبة

زينون (أمين مكتبة قصر كليوباترا):

سلامُ السماوات في مجدها،على ربة التاج ذات الجلال

تمنيتُ رأسن لا واحدا،إذا مست الأرض هام الرجال

أُطأطئ رأسًا لمجد النبوغ وأخفض رأسًا لمجد الجمال

أنشو (مضحك الملكة) للوصيفتين:

أما يُغنيهِ عن رأسينِ،رأسٌ فيه وجهانِ؟

فحينًا هو مصري، وحينًا هو يوناني

وفى مجلس يوليوس وأنطونيوس روماني

وإن لاقى أغا القصرِ فنوبي وسوداني!

تعليق: المثقف مُتعدد الوجوه والاستعمالات أيضًا!

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: ââشخص ÙاحدâØ ÙââÙظارة Ø´ÙسÙØ©âââ

لعل المثقف في عالمنا قد جاوز وجهين «زينون» في رواية شوقي!، ولعل علاقة المثقف بالأمير (أو بالسلطة بصفة عامة) تحتاج في يوم قريب لاستجلاء فهي علاقة ملتبسة ومعقدة أحيانًا، فهي علاقة ليست مستقرة، فترتفع وتيرتها أحيانًا وتنخفض أحيانًا، تتوتر أحيانًا وتنفرج أحيانًا، فالعلاقة بين المثقف والأمير لا تحكمها حقائق الصراع المعروفة من اختلاف أو اتفاق، وإنما تتحول العلاقة في بعض الأحيان إلى تعبيرات مشاعر فيها الحب والكره، وفيها الإقبال والصد، وفيها العطاء والحرمان، وفيها النصيحة والنميمة، بل ودخل فيها في بعض الأحيان الحب والقتل! (كما حدث من ستالين تجاه تروتسكي).

إن تحولات المثقف لا تتوقف. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو موقف اثنين من كبار المثقفين (كاتب الشرق) عباس محمود العقاد،و(عميد الأدب العربي) طه حسين. فالعقاد بدأ كاتبًا ومناصرًا ومدافعًا عن حزب الوفد ومواقفه وهو الذي كتب «إن مصيبة الرجعية على هذا البلد أكبر من مصيبة الاحتلال»، وانتهى أمره في الحزب الرجعى (السعديين) الذي هاجمه قبل ذلك!

ولعل حواره مع زعيم حزب الوفد وقتها «مصطفى النحاس» يُظهر الكثير: فقد اختلف مع قيادة الوفد في تأييد حكومة توفيق نسيم 1935 الذي رأى العقاد أنه يجب معارضتها فقال له مصطفى النحاس: «أنا زعيم الأمة فما عساك أن تفعل يا عباس يا عقاد؟».

فأجابه العقاد: «أنت زعيم الأمة لأن هؤلاء انتخبوك (مُشيرًا لبعض أشخاص من أعضاء الوفد) لكني كاتب الشرق بالحق الإلهي». وكانت هذه آخر لحظات العقاد في الصف الأمامي من حزب الوفد.

وأما طه حسين فقد بدأ وهو الإنسان البسيط الفقير في حزب المُلاك (الأحرار الدستوريين) المضاد لوضعه الطبقي، وكان يكتُب وقتها لصالح الملكية، ولكنه انتهى به الحال وزيرًا في حكومة حزب الوفد، هاتفًا بحياة النحاس!

ورأينا بعد ذلك من أيدوا ثورة يوليو 1952 وزعيمها جمال عبد الناصر، وهم من رفعوا شعارات انقلاب 15 مايو 1971، وهم من انقلبوا على الرئيس المؤمن السادات وفخموا في خليفته حسنى مبارك. وأما في واقعنا الحالى فالذين أيدوا ثورة 25 يناير بعد سقوط مبارك، هم من كانوا من طليعة الثورة المضادة بالأمس واليوم. وهؤلاء هم من نظروا للاشتراكية وهم أول من رفعوا شعارات الانفتاح، وهم اليوم من يدافعون عن رفع الدعم عن المواطن المسحوق بالحاجة والعوز.

ولعل الأمور قد ساءت وتدهورت أكثر فأصبح بعض «أشباه» المثقفين و«الكتبة» اليوم لا يساوون حتى انشو مضحك الملكة (في مسرحية شوقي) لا في نكاته ولا في لغته ولا حتى في رقصه!، فرأيناهم يترخصون ويبتذلون أكثر وأكثر ويكتبون عناوين من عينة: «شعب لا يستحق الرئيس»، و«ارمش بطرف عينك يا سيسي» ولعله يأتي اليوم الذي يفعلون فيه كما يفعل المجاذيب وهُم ممسكين بمباخرهم في حي «السيدة زينب» أو «سيدنا الحسين» أثناء زحام ما بعد صلاة الجمعة في رمضان ويقولون زاعقين:«مداد يا سيدي عبد الفتاح السيسي مداد … حي!»

مشهد – يدخل أنطونيو إلى مخدع كليوباترا فتأمر كليوباترا وصيفتيها بالخروج.

أنطونيو لكيلوباترا:

رُدي على هامتي الغارَ الذي سُلِبت، فقُبلة منكِ تعلوها هي الغارُ

تقبله كليوباترا وتقول:

اليومَ تعلم رُوما أن ضُرتها تُقلدُ الغارَ، من تهوى وتختار

واليوم تعلمُ روما أن فارسها، جيش بمفردهِ في الروع جرار

أنطونيو سيدى هل نحن في حُلُمٍ؟، أسالمٌ أنت؟ لا أسر ولا عار؟

أنطونيو: أَسر؟ وهمتِ كلوباترا أتظفرُ بي، أيدي الكُماة وفي كفي أظفار

لو قُلتِ قتلٌ لكان القولُ أشبه بي، كأسُ المنايا على الأبطال دوارِ

تعليق: السياسي في الحُب، كالغريق في الماء

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: ââ2â شخصاÙâ

إن القادة الكبار الذين قادوا الصراع في الحرب العالمية الثانية وهم يواجهون الحوادث والصراعات كانوا على الجانب الآخر منهكين عاطفيًا وجنسيًا أيضًا!

فالرئيس الأمريكي «فرانكلين روزفلت» وهو قائد التحالف الغربي الكبير فيها وقع وسط طوفان الحرب أسير علاقة غرام مع السكرتيرة الاجتماعية لزوجته (إليانورا) وقد لفظ أنفاسه الأخيرة مُمسكًا بيد عشيقته في بيته الريفي في (بارك لين).

وكان الزعيم الألماني الفوهرر «أدولف هتلر» ذلك الرجل الذي كاد أن يُسيطر على العالم والذي كان حازمًا مع قادته لدرجة القهر نجده على الناحية الأخرى من الصراع الكبير عاشقًا ملهوفًا على (إيفا براون) التي عاشت معه طوال الحرب في (عش النسر) وهو بيته على قمم جبال (برختسجادن) في بافاريا. ويُقال إن أبرز خطط الحرب كان يضعها مع قواده بعد انتهائه من مقابلاته العاطفية مع (إيفا براون)!

وكان زعيم إيطاليا «بنيتو موسولينى» غارقًا هو الآخر في غرام «كلارا بتاتشي» وقد لقي مصرعه معها في ميلانو حين قبض عليهما ثوار شيوعيين وقتلوهما سحلًا ثم علقوا الجُثتين في خطاف جزار في محطة بنزين.

مشهد – ينهزم أنطونيو من أوكتافيوس وهو عائد شارد مطَارد هو وصديقه أوروس.

أنطونيو لأوروس:

أرى الدنيا بعيني أظلمت، وكانت في الماضي كالصباح المنورَ

وضاقت بي الأرض الفضاءُ فكلُها، سبيلُ طريدٍ ضائِع الدُم مُهدرِ

قُشعريرة الخوف اعترتني ولم تكُن، إذ ما اقشعرت تحتي الأرضُ تعترى

أرى الموتَ ممدودَ اليدين كمُنقذٍ لمثلي، من غرقى الحياةِ مُسخر

دعاني ولو أني على النفس مُشفِقٌ، مددتُ إليه الكفَ لم أتأخر

أروس أرى الماضي يُطيفُ خياله، وتعرضُ لي أحلامهُ في التذكُرِ

أوروس:

وقاركَ قيصرُ لا تجزعن وخلَ المقادير تجرِ المَدى

تلقَ الهزيمةَ ثَبتَ الجَنانِ كما كنتَ تلقى الفُتوحَ العُلاَ

فما أنت أولُ نجمٍ أضاء ولا أنت آخرُ نجم خبا

وقد تنزِلُ الشمسُ بعد الصعود وتسقَمُ بعد اعتدال الضُحَى.

تعليق: الزعيم السياسي وصديقه المثقف الشامل في لحظة شجن مسكونة بالألم.

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââ2â شخصاÙâØ Ùââأشخاص ÙبتسÙÙÙâØ Ùââأشخاص ÙجÙسÙÙââââ

لعل ذلك المشهد يذكرني بلقاء الزعيم «جمال عبد الناصر» بصديقه الكاتب الصحفي الكبير «محمد حسنين هيكل» يوم 9 يونيو 1967 كما يروى هيكل:

أنه دخل إلى مكتب عبد الناصر في الساعة السادسة والنصف صباحًا ومعه مشروع الخطاب الذي طلب منه ناصر إعداده متضمنًا إعلان استقالته للأمة، وكان قد كلفني بهذه المهمة في حديث تليفوني سابق، وعندما دخلت إلى مكتبه كان مُمسكًا بسماعة الهاتف يناقش طرفًا آخر وبعد لحظات فهمت أن الطرف الآخر هو عبد الحكيم عامر (القائد العام للقوات المسلحة في حرب يونيو)، ثم فهمت بعد لحظات من متابعة النقاش أن عامر يبلغه أن القوات الإسرائيلية تضغط بالغارات الجوية على القوات المصرية غرب القناة، وأن هناك معلومات عن جسور منقولة وكل التقديرات ترجح أنها محاولة إسرائيلية لعبور القناة إلى الضفة الغربية.

كان عبد الناصر يناقش هذه المعلومات، وبدا لي الموضوع في حاجة إلى تدقيق، ويبدو أنني هززت رأسي بإشارة تحمل ذلك المعنى، وقال عبد الناصر لعبد الحكيم على التليفون أنني واقف أمامه ولدي ما أريد قوله، وأزاح سماعة الهاتف وحكيم معه على الناحية الأخرى من الخط وتطلع نحوي منتظرًا ما أقول.

وأبديت رأيًا مفاده أنني أستبعد تمامًا أن تكون هذه المعلومات صحيحة، وأضفت أن إسرائيل حققت أكثر مما تريد وعبورها للضفة الغربية من قناة السويس فوق ما تحتمله الموازين الدولية، وأيضًا فوق ما تحتمله قواتها المشدودة الآن على آخرها. فقد وصلت هذه القوات بعد زحف طويل إلى الضفة الشرقية، وعبورها إلى الضفة الغربية معناه أن تجد نفسها داخلة في نوع من المعارك ليست مستعدة له خصوصًا بعد زحفها الطويل وهو (معارك المدن).

أعاد عبد الناصر سماعة الهاتف إلى وضعها الطبيعي وأعاد ما قلته لعبد الحكيم عامر، الذي لم يقتنع بكلامي، وأنهى عبد الناصر الحديث مع عامر بقوله له: «تأكد واتصل بي مرة آخري».

ثم تحرك عبد الناصر من وراء المكتب وجلس على أحد المقعدين الكبيرين أمام المكتب. جلست امامه. هز رأسه بآسي لم أرى مثله في تعبيره عن نفسه رغم انى رأيته من قبل في أزمات كبرى. أحسست لأول مرة أن الرجل الذي يجلس أمامي (جريح). وهو (ينزف) دمه في هدوء مأخوذًا كأنه مازال تحت نوع من الصدمة.

قلت في محاولة للتخفيف عنه «إن المقادير تُصيب الناس أحيانًا بما لم يتحسبوا له، ولكن المهم كيف يتصرف الناس بعد أن تضربهم المقادير».

فرد عبد الناصر وهو يهز رأسه في أسى عميق مرة أخرى:

«ما يؤلمني أن المقادير لم تكن هي من ضربتنا، نحن ضربنا أنفسنا». التفت إلى ناحية الهاتف كان الرجل الذي كان يحدثه فيه قبل دقيقتين تجسد في مكانه وما زال هناك. ثم قال: عبد الحكيم ضيع أعصابه تمامًا وضيع جيشه. ولا أستطيع أن ألوم أحدًا (لأنني المسئول). عبد الحكيم كان يجب أن يمشي بعد الانفصال (انفصال الوحدة المصرية السورية 1961).

نظر عبد الناصر لي ثم أشعل السيجارة الثالثة التي رأيته يشعلها في أقل من ثُلث ساعة قضيتها معه حتى الآن. كان يشد الأنفاس من السيجارة، وكأنه يملأ بها صدره إلى الآخر، ثم ينفث الدخان وكأنه يطرده. طلب فناجين من القهوة وراح يتكلم.

«الكارثة أن عبد الحكيم تصرف سنة 1967 وكأننا لا زلنا في 1956،عبد الحكيم فوجئ بضربة الطيران الإسرائيلي بقوة الضربة. بخسائر الضربة وفقد أعصابه وراح يتصرف في معركة 1967 بالمنطق الذي اقتضته معركة 1956، وهذا أسوأ ما يتصرف به قائد عسكري. لم يُخطرني عبد الحكيم بقرار الانسحاب قبل إصداره لأنه في الغالب «كان مكسوفًا من نفسه بعد ضربة الطيران»، وكان يُريد أن يُثبت للجميع ولي أنه قادر على اتخاذ القرار، وهو لم يكن قادرًا بعد المفاجأة.

حاول أن يُخفي عني حجم خسائر الضربة، وظل يُراوغ ثلاث ساعات. حتى بعد ضربة الطيران الإسرائيلي. كان اعتقادي واعتقاد كثيرين غيري في القيادة أن القوات في سيناء تستطيع أن تحارب معركة دفاعية كبيرة من مواقع ثابتة، وفيها كانت تستطيع تعطيل التقدم الإسرائيلي وتعطينا وقتًا لعمل سياسي واسع. لكن قرار الانسحاب زاد من انكشاف القوات المصرية، لأن الإسرائيليين لاحقوها وهي تتحرك تحت سماء مكشوفة لهم فيها السيطرة الكاملة على الجو ووضعوها نفسيًا بالدرجة الأولى في موقف شديد الصعوبة.

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââ3â أشخاصâØ ÙââââÙظارة Ø´ÙسÙØ©âØ ÙâÙبعةââ ÙâÙÙطة ÙرÙبةââââ

بعد قرار عبد الحكيم بالانسحاب كان لابد أن أذهب للقيادة. حاولت ان أعيد بعض القوات، خصوصًا الفرقة المدرعة الرابعة. كان الوقت قد تأخر. أمر الانسحاب مبكرًا في المعركة دعا الوحدات إلى أن تتصرف كل منها وفق مطالب سلاماتها، وذلك صنع فوضى استعصت على أي محاولة للسيطرة والقيادة».

ويضيف هيكل أن عبد لناصر قال له: لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم، لهم الحق.

هيكل: ليس هناك ضرورة لأن تدفع مشاعرك إلى هذه الدرجة، فما حدث لك شيء حدث من قبل كثيرًا في التاريخ، واعتقادي أن البلد واجه نكسة، ولكنه قادر على القيام منها بقواه الذاتية.

ناصر: إنني أتصور أن الناس بعد مفاجأة استقالتي، سيطلبون معرفة الحقيقة فيما حدث، وهو حقهم، ولست أعرف السبيل إلى تحقيق هذا الطلب، فهو ضروري لمستقبل العمل، ولكني أخشى أن يتصور أحد أنني بأي شيء أقوله أحاول إشراك غيري في المسؤولية، والله يعلم أنني لا أفكر في أي شيء من ذلك، فأنا نازل عند حكمة الله في قضائه ولكن الحقيقة يجب أن تكون واضحة للناس.

  مشهد – ترى كليوباترا بعد هزيمة وانتحار أنطونيو انقلاب الجميع عليه حتى أقرب الناس منه.

كليوباترا:

ويحي قد طلبتُ عِند طِباع الناس، ما عز عندهم مطلوبا

خلقَ الناسُ للقوى المزايا، وتجنوا على الضعيف الذنوبا

احتفوا في الحياة والموت بالغالب، فانظر هل عظموا مغلوبًا

تعليق: الزعيم جمال عبد الناصر يشذ عن القاعدة.

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: ââشخص ÙاحدâØ ÙââââعÙ٠اÙÙسرحâØ Ùâحشدââ ÙâÙشاطات Ù٠أÙاÙÙ ÙÙتÙحةââââ

لعل عبد الناصر من القلائل الذين لا تنطبق عليهم أبيات شوقي، فبعد هزيمة يونيو 1967 قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشى ديان: «أنه جالس بجوار الهاتف منتظرًا مكالمة ناصر بأنه هُزم وأنه جاهز لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل». وبعد إعلان عبد الناصر خطاب التنحي وخروج الجماهير العربية في كل ساحات الوطن العربي رافضةً قرار التنحي، وبكاء مندوبين العالم الثالث بأسره بعد علمهم بالقرار في أروقة الأمم المتحدة، وبعدها استقبال الجماهير له في الخرطوم استقبالًا ليس له نظير لدرجة جعلت جريدة النيويورك تايمز تكتب: «هذه أول مرة يقابل المهزوم بأكاليل الغار»!

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââشخص أ٠أÙثرâ Ùâحشدâââ

وفي جنازته كان الطوفان البشري يسد الأفاق، وبعد موته لا زال ضريحه يعج بالناس البسطاء، ولعل أصدق من عبر عن تلك الحقيقة ما رواه ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر في الجزء الثاني من مذكراته «لقد قضينا على الدور السياسي لناصر، ولكننا فشلنا في لقضاء على ذكراه الحسنة لدى الجماهير». ولعل جمال عبد الناصر ينطبق عليه ما قاله شوقي في رثاء حافظ إبراهيم عندما قال:

أُنظُر فأنت كأمسٍ شأنُكَ بازغ في الشرقِ واسمُك أرفع الأسماءِ

ما حطموكَ وإنما بك حطموا من ذا الذي يحطمُ رفرف الجوزاءِ.

انتهت المساحة المخصصة للمقال وزادت، ولم تنته بعد أبيات مسرحية مصرع كليوباترا. مع وعد بتكملة الحديث عن المسرحية في مقال قادم.

شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع صحيفة اليوم . صحيفة اليوم، «مصرع كليوباترا».. عندما يتداخل الأدب والجنس في صميم السياسة!، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.

المصدر : ساسة بوست