التعايش في العراق.. متى وكيف؟
التعايش في العراق.. متى وكيف؟

التعايش في العراق.. متى وكيف؟ صحيفة اليوم نقلا عن ساسة بوست ننشر لكم التعايش في العراق.. متى وكيف؟، التعايش في العراق.. متى وكيف؟ ننشر لكم زوارنا جديد الاخبار اليوم عبر موقعنا صحيفة اليوم ونبدء مع الخبر الابرز، التعايش في العراق.. متى وكيف؟.

صحيفة اليوم لطالما مثل التنوع الثقافي والتعدد القومي والديني الذي عرفه العراق عبر تاريخه نموذجًا فريدًا على مستوى المنطقة من حيث غزارة الإرث الحضاري والتاريخي لكل من تلك التجمعات البشرية وتعاقب أدوارها ومساهماتها في ذلك الإرث الطويل ولمختلف الأسباب والظروف التي مكنتها من تسجيل تلك المساهمات. ولكن على الجانب الآخر برزت مشكلة الحفاظ على هذا التعدد والتنوع من الهزات العنيفة والمصاعب التي واكبت هي الأخرى مسيرة العراق عبر الزمن.

ولأن التاريخ بمجمله العام إرث إنساني تكمن الاستفادة القصوى منه كونه سجلًا يساعد على استقراء ما حدث في الماضي واستنباط الدروس والعبر من التجارب السابقة لتفادي تكرار ما وقع فيه الماضون من أخطاء، فإن التاريخ في بلد كالعراق رغم عمقه الزمني المتجذر قد فقد إلى حد ما ميزته الأساسية في كونه مصدر التعلم والاستفادة للحاضر والمستقبل، فاختلط التاريخ في العراق بالحاضر وأصبح جزءًا أساسيًا منه.

وإذا أُريدَ الحديث عن التاريخ فإن مما لا شك فيه أن السبب الأساسي للهزات العنيفة التي أصابت العراق خصوصًا في العقود الأربعة الأخيرة كان تصرفات النخبة السياسية التي تحكمت بمفاصل الدولة فيه وأعني بها نظام البعث وصدام حسين بالتحديد، لأن تلك النخبة قد أوحت لنفسها أن هذا الخليط والتنوع الثقافي في العراق مشكلة ينبغي السيطرة عليها بقبضة حديدية صارمة، وبذلك أطلقت لنفسها العنان موغلة في بحور الدماء التي سفكتها ضد مختلف الطوائف والقوميات في العراق تحت ستار (الحفاظ على الاستقرار) وبالطبع فإن ذلك الاستقرار كان في الظاهر استقرار العراق ولكنه في الحقيقة يعني استقرار النظام السياسي الذي يحكم آنذاك، وبذلك مثلت تلك الحقبة الدموية حاجزًا حقيقيًا لا زال حتى اليوم يحول دون إعادة صياغة أسس الانسجام بين مكونات العراق.

قد يجد كثيرون في الشرق الأوسط والعالم عمومًا أن ذلك الأسلوب الذي استخدمه نظام صدام له مبرراته خصوصًا عندما يتم المقارنة بينه وبين حالة العراق اليوم لأنهم يفكرون بذات الطريقة التي فكر بها ذلك النظام وهي طريقة السيطرة وضبط الأمور بوسائل صارمة دون أن ينتبهوا إلى أن ذلك يؤسس ويعمّق بمرور الزمن الشروخ العميقة بين أفراد الشعب وتجمعاته البشرية التي يتألف منها خصوصًا إذا كانت كل من تلك التجمعات تنظر تجاه بعضها البعض بالمنطق الذي ذكرناه سابقًا وهو أن التاريخ في العراق أصبح جزءًا من الحاضر وليس تجربة يتم التعلم منها لإعادة صياغة الحاضر والمستقبل بطريقة تمنع تكرار مآسي الماضي المختلفة.

كان اللعب دومًا على وتر الحكم باسم الطوائف والقوميات سواء بشكل مصرح أو غير مصرح به، سمة أساسية في تركيبة النظم السياسية التي تعاقبت على الحكم في العراق. وبمقابل ذلك كان أسلوب العقاب الجماعي وشطب تراث بأكمله لأحد مكونات المجتمع العراقي سمة بارزة أخرى لتلك الأنظمة، مع ما يرافق ذلك من حملة تغيير ثقافية واجتماعية كمشروع طويل الأمد يهدف إلى خلق وعي يناسب طرح نظام الحكم وينسجم معه.

إن الحكومات التي تعاقبت على الإمساك بزمام السلطة في العراق لم تتصرف بمسؤوليتها في التأسيس لمجتمع يقوم على النظام المترسخ لدى جموع الشعب بدل القبضة الأمنية المفروضة عليه، وحتى بعد عام 2003 فإن النخبة السياسية الجديدة التي أتت لحكم العراق لم تكن تمتلك فلسفة أو مشروعًا حقيقيًا لتحقيق هذا الغرض لأن جزءًا كبيرًا من تلك النخبة لم يكن يمتلك الاستعداد الكامل للاضطلاع بهذه المهمة إضافة إلى تحديات الإرهاب التي عمقت غياب التفكير بهذا المفصل المهم من مفاصل بناء الدولة.

كحال أغلب الحقب السياسية في العراق، كان التخطيط طويل الأمد ومهاراته تستهدف فقط ما تريده السلطة الحاكمة من تغيير واستحداث في حركة البلاد الثقافية والاجتماعية والتاريخية. تغيير راكم من عوامل التمزق والضعف البنيوي العام في تركيبة المجتمع أخلاقيًا وحضاريًا كان متسترًا بفضفاض الاستقرار والزحف المصطنع لما يبدو أنه تأييد للنظام الحاكم، ولكن عندما حانت لحظة الانكشاف وذهب ذاك الستار الفضفاض بفعل الريح العاصفة، بانت تلك التراكمات بعد أن بلغت درجة من السؤم والقبح ما لا يمكن أن يتصوره عقل. وباتت أسوأ ما تركته أنظمة الحكم السابقة من إرث عانت وستعاني منه الأجيال الحالية والقادمة لعقود طوال قبل أن تبدأ ملامح التعافي من تبعات ذلك الإرث في الظهور في حال تم الشروع بعملية تغيير جديدة وهو ما لم يتم حتى الآن.

في حالة كالتي يمر بها العراق اليوم اجتماعيًا وثقافيًا، يصبح الحديث عن التعايش ضربًا من الترف أو الانفصام عن الواقع بسبب الهوة الشاسعة بين نوعية الخطاب وبين ما يفترض أنه انعكاسه على أرض الواقع. فسقطت كثير من المسميات والعناوين البارزة من شخصيات عامة ضحية غياب التشخيص الحقيقي للأزمة المتضمن الاعتراف بالحالة أولا دون مجاملة أو مداراة ومن ثم طرح المعالجات الصحيحة للوصول إلى مستوى مقبول من التعايش نرى صورته على الأرض بوضوح.

رغم أن المحن والأزمات التي مر بها العراق خاصة بعد عام 2003 وآخرها محنة داعش الإرهابي قد ضربت صورًا رائعة في التلاحم بين ما يبدو ويتم التأكيد عليه أنها مجتمعات بشرية متناحرة، فإن صور التلاحم تلك ما يلبث التركيز عليها ليخبو وتفتر جذوته، والسبب هو أن تركيبة المجتمع العراقي الثقافية والاجتماعية أصبحت أكثر تقبلاً للأخبار السلبية وتتفاعل معها بحماس منقطع النظير مقارنة بمثيلاتها الإيجابية! السبب الآخر هو أن تلك التركيبة أصبحت تتفاعل بذات المستوى الحماسي مع الشائعات والأخبار الملفقة وتصغي في قطاعات واسعة منها إلى ما هو موجه لوعيها وإدراكها من وسائل إعلام ممنهجة الطريقة والصيغة وذات عقيدة تستهدف اللعب على وتر هذا الاستعداد الذي أشرنا إليه. أما القطاعات الأخرى التي تعي خطورة ذلك التوجيه وتكافح لكبح جماح هذا الاستعداد المجتمعي في غالبه فإن جهودها رغم سعيها الحثيث تكاد لا تعطي النتيجة المرجوة على مستوى المجتمع إلا في حالات نادرة إذا ما تم قياس إمكاناتها المتواضعة بتلك ذات العقيدة والتوجه الممنهج التي تحدثنا عنها. يضاف لذلك حالة الشك أو التشكيك الدائم إذا صح الوصف مما يجعل كل شيء قابلاً للتفنيد والتكذيب وبالتالي إفقاده الأساس السليم للبناء عليه.

تلك الإفرازات وغيرها الكثير مما لا يسع التطرق إليه هنا مردّه إلى عوامل تراكمية متنوعة، فما سارت عليه النظم السابقة من إشاعة روح الخوف وترسيخ ثقافة التنصت الدائمة وبث إحساس عام بأن الجميع مراقب في حركته وكلامه والضخ المستمر للأخبار لقياس مدى تفاعل الرأي العام معها خدمة لأغراض أمنية تتعلق بالنظام السياسي وسطوته، وكذلك آلاف الأخبار الملفقة التي بثتها وتبثها وسائل الإعلام من خارج العراق والموجهة إلى الشعب في الداخل، بالإضافة للريبة التي ولدتها سياسات الأنظمة السابقة على نحو الحكم باسم الطوائف والاستهداف الممنهج لتركيبة المجتمع وتنوعها حسب درجة قربها أو بعدها من النظام السياسي على الوصف المتقدم آنفًا، كل ذلك وما شابهه قد جعل بنية المجتمع ووعيه مهزوزة لدرجة لا يمكن تصديقها.

إن أخطر ما يهدد مستقبل أي أمة أو شعب هو التحول إلى أسرى للتاريخ بشكل يمنعها من أن تفهم المعنى الحقيقي لتجارب الماضي على النحو الذي ذكر سابقًا، ولأن التحديات التي تهدد سلامة العيش بوئام وتجانس بين هذا الخليط المتنوع الذي يتكون منه الشعب العراقي ستظل باقية على المدى المنظور طالما لم تتوفر لدى النخبة السياسية فيه إرادة ورؤية حقيقية، فإن التعايش في العراق سيظل مؤجلاً لحين إفراز نخبة قادرة على دراسة كل التجارب السابقة للأنظمة التي حكمت العراق بوعي، دراسة تفهم ما جرى وأسبابه وتستوعب ما أحدثه من نتائج لتعي بعد ذلك ضرورة ألا يكون النظام مفروضًا بقوة الأمن والقمع بل بثقافة مجتمعية واعية تغرس تلك المفاهيم بطرق تجعل احترام القانون هو الأساس وليس الخوف منه، لأنه حين يزول حاجز الخوف يصبح كل شيء مباحًا كما حدث في تجارب سابقة حيث كان الخوف ليس من القانون بل من السلطة القمعية التي حكمت وفرضت وسائلها القمعية باسم القانون لأن احترام القانون والعمل به لن يتم إلا عندما يكون القانون ثقافة وتربية ينشأ عليها المجتمع ويتوارثها عبر أجياله المتعاقبة.

شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع صحيفة اليوم . صحيفة اليوم، التعايش في العراق.. متى وكيف؟، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.

المصدر : ساسة بوست